محمد سعيد رمضان البوطي

272

فقه السيرة ( البوطي )

منهما على إذن الجماعة في القسمة ، والثاني على عدمه « 1 » . ولعلك تسأل : فما مصير حكم الغنائم هذا ، مع ما تطورت إليه اليوم حالة الحروب والجند وسياسة عطاآتهم ومرتباتهم ؟ والجواب : أنك قد علمت مما سبق أن الأموال غير المنقولة من الغنائم لا توزع بين المحاربين عند مالك وأبي حنيفة على نحو ما مر بيانه إلا إذا دعت المصلحة أو الضرورة ، أما الأموال المنقولة منها فيجب أن توزع على الغانمين بالطريقة ذاتها التي كان يسلكها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع ملاحظة ما تطورت إليه وسائل القتال وطرائقه في تفاوت درجات المقاتلين . ولا مانع من أن توزع عليهم حصصهم على شكل علاوات أو مرتبات متلاحقة إنما المهم أن الدولة لا يجوز لها أن تستملك شيئا من هذه الأموال لنفسها . رابعها : ( مشروعية عقد المساقاة ) ، وهي أن يعامل مالك الأرض غيره على ما فيها من شجر ليتعهده بالسقي والتربية على أن الثمار تكون بينهما ، وقد ذهب مالك والشافعي وأحمد رضي اللّه عنهم إلى صحة هذا العقد مستدلين على ذلك بمعاملته صلى اللّه عليه وسلم أهالي خيبر ، وانفرد أبو حنيفة رضي اللّه عنه ، فلم يجز ذلك ، قال : ولا دليل في الحديث ، لأن خيبر فتحت عنوة فكان أهلها عبيدا له صلى اللّه عليه وسلم ، فما أخذه فهو له وما تركه فهو له ، وخالفه الصاحبان فاتفقا مع الجمهور على صحته ، ثم اختلف العلماء : هل ينبغي أن يقال بصحة هذا العقد على كل أنواع الشجر أم هو خاص بالنخيل والعنب ، وقوفا عند مورد الدليل ، إذ كانت عامة أشجار خيبر نخيلا وعنبا ، والذي ذهب إليه كثير من الفقهاء هو التعميم في كل أنواع الشجر . أما المزارعة فقد منعها قسم كبير ممن صحح عقد المساقاة ، منهم الشافعية ، وهي أن يعامل مالك الأرض شخصا آخر على أن يعمل فيها بالزراعة والاستنبات بجزء مما ستخرجه الأرض ، قال جمهور الشافعية هو غير صحيح ، لما ثبت في صحيح مسلم أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة قالوا : إلا أن يكون عقد المزارعة تبعا للمساقاة أي بأن يكون بين الشجر بياض اتفق الطرفان على زراعته ضمن اتفاقهما على عقد المساقاة . والراجح لدى التأمل في مجموع الأدلة ، صحة كل من عقد المساقاة والمزارعة فقد

--> ( 1 ) راجع فتح الباري : 7 / 340 و 349 .